يبدو الوضع في السجون المصرية مثيراً للحيرة والقلق، لا سيّما في ظلّ تفشّي الكثير من الإصابات بأمراضٍ غاية في الخطورة ولها عواقب وخيمة ونهاية معروفة هي الموت.

ولا يمكن إستنثاء الصحوة الكبيرة التي أحدثتها مواقع التواصل الاجتماعي في التعريف بهذا الموضوع المعقّد وتناول حالاتٍ أثّرت على الرأي العام في مصر والوطن العربي و جعلت المتتبّعين يدقّون ناقوس الخطر متسائلين عن هذا الداء الفتّاك المتربّص بشباب المحروسة و يلتقط أبناءها من دون هوادة .

فقد سبق و تطرّقنا هنا لـحالة الشاب أحمد الخطيب بالتفصيل مع العلم أنّه هو الآخر وفي ظلّ الركود المصاحِب لحالته، يبقى مرشّحاً كي يحذو حذو من سبقوه و ودّعوا هذه الحياة مبكراً مخلّفين ندوباً لن تشفى في قلوب ذويهم.

أمّا اليوم، فسنلقي الضوء على نموذجيْن جديديْن جعلا الـ"سوشال ميديا" في مصر تغلي و ترثي حال البلد المزري الذي أضحى أشبه بزنزانةٍ كبيرة لا تستثني أحداً من شرورها.

مهند إيهاب والسرطان الخبيث

تسبّب خبر رحيل الشاب مهند إيهاب بحالةٍ من الغضب العارم الذي إجتاحت الإعلام الحديث والشارع المصري عموماً، وذلك بعد أن واكب الكثيرون حالته الصحيّة المتدهورة مطالبين بالتدخّل لإنقاذ حياته قبل فوات الأوان، وهو الشيء الذي لم يحدث اطلاقاً و كلّفه حياته في مشهدٍ لا يُنسى. 

و تعود قصة مهند إلى تاريخ 27 ديمسبر 2013، حيث تمّ إلقاء القبض عليه في مدينة الإسكندرية بتهمة "تصوير المظاهرات " وكان وقتها في السابعة عشر من عمره حيث تمّ إرساله إلى إصلاحيّة "بكوم الدكة" حين صدر قراره بسجنه خمس نوات قبل أن يتمّ تقليص العقوبة إلى ثلاثة أشهر. 

وفي سنة 2015، تمّ إعتقاله مجدّداً بنفس التهمة وأُودع سجن "برج العرب" وهناك أُصيب بمرض السرطان. 

وعن ذلك يروي الراحل ما وقع له في منشورٍ سابق عبر صفحته على "فايسبوك": "بدأت ارجع وانزل دم من مناخيري ومقدرتش أتكلم ومش عارف أمسك حاجة ومش عارف ادخل الحمام لوحدي". 

و أضاف "روحت مستشفى قالوا لي عندك أنيميا وبعد كده قالولي عندك تيفود ثم قالوا لي عندك فيروس في الكبد". 

وبعد ذلك، تمّ إرسال مهند إلى مستشفى الحميات حيث علم بإصابته بسرطانٍ في الدم، ليُنقل إلى مستشفى الميري، وفي غضون شهرٍ واحد فقد 25 كيلوغراماً من وزنه. 

و بدأ بتلقّي العلاج في المستشفى وأخذ جرعاتٍ من الكيماوي في أحد المستشفيات الأميريّة بالإسكندرية، ولمّا تدهورت حالته بشكلٍ كبير وفي ظلّ الحملة الإعلاميّة والشعبيّة الكبيرة للإفراج عنه، تمّ الرضوخ أخيراً وسافر إلى أميركا في أواخر شهر يوليو وهناك وافته المنية. 

وبذلك، ذهب مهند إيهاب ضحيّة الإهمال في السجن حيث أُصيب بالمرض و تأخّر في تلقّي العلاج.

كريم مدحت يغادر مقيّدا إلى سريره

يوم الخميس، 13 أبريل، تلقّت عائلة الشاب كريم مدحت خبر وفاته في المستشفى الميري في الإسكندرية وهو مقيّد على سريره. 

وبالعودة الى تفاصيل مرض وإعتقال كريم الذي كان يقضي عقوبته في سجن "برج العرب" هو الآخر بعد إتّهامه في قضيّةٍ تتعلّق بالتظاهر، ظهرت عليه أعراض إغماءات وعدم إتّزانٍ ونقصٍ واضح في الوزن مع إزرقاق في الجسم. 

وبعد محاولاتٍ لا تُعدّ ولا تُحصى من عائلته للقيام بفحوصاتٍ روتينيّة للتأكّد من حالته الصحيّة، تمّ إكتشاف إصابته بورمٍ في المخ. ونتيجةً للتأخّر في معالجته ومتابعة وضعه، دخل في حالة موت إكلينيكي قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة مخلّفاً حالةً من الإستياء والذهول في أوساط المتابعين لقضيّته والداعين للإفراج عنه عبر حملاتٍ كثيرة على الـ"سوشال ميديا" لم تفلح في إنقاذ كريم من مصيره.

الموت القادم من السجن

هذه الحالات تبقى الأكثر إثارةً للإهتمام على مواقع التواصل الإجتماعي وقد حرّكت المياه الراكدة في هذا الملفّ الخطير الذي يهدّد آلاف المعتقلين في السجون المصريّة التي تفشّت فيها الأمراض الفتّاكة دون أدنى تحرّكٍ لفتح تحقيقاتٍ محايدة. 

والسؤال المطروح هنا في ظلّ هذا الصمت المريب: كم من الحالات يمكن أن تلقى نفس المصير إذن؟