مثير للإستغراب هذا "الإنفصام" الواضح بين معركة الأمعاء الخاوية والبطولات التي يسطّرها الأسرى البواسل في سجون الإحتلال، وبين حالة الصمت المريب التي تعمّ الوسط الفنّي العربي تجاه هذه القضيّة والتفاعل شبه الغائب معها في تكريسٍ مُفزعٍ للهوّة الشاسعة بين الفنان العربي و هموم الشعوب، وتحديداً عن القضيّة المركزيّة للعرب.

ومن الحالات النادرة التي رصدناها و تُعدّ على رؤوس الأصابع، ويمكن إعتبارها "الإستثناء" المفرح والذي من المفروض أن يشكّل مصدر منافسةٍ لدى الآخرين -ولكنّه لحدود اللحظة ليس كذلك- وكي نكون منصفين في الطرح، سنبدأ مع محور أوّل فتح ملفّ الأسرى بشكلٍ "مفاجئ"، حتى قبل أن تندلع شرارة "إضراب الكرامة " التي نعيش فصولها حاليّاً. 

"فارس الأغنية العربيّة"...أفق واسع في الطرح

قبل فترةٍ ليست بالطويلة، باغت الفنان اللبناني عاصي الحلاني جمهوره بنشر برومو يظهر فيه مرتدياً الكوفية الفلسطينيّة مشيراً إلى أنّه بصدد طرح عملٍ جديدٍ عن القضيّة الفلسطينيّة. 

وبالفعل، ذلك ما تمّ بالكشف عن أغنيةٍ بعنوان "نشيد الأسرى" من كلمات الشاعر الفلسطيني رامي اليوسف وألحان عاصي نفسه وتوزيع طوني سابا. 

ولم يكتفِ عاصي بهذا الحد إذ قرّر طرح العمل في مؤتمرٍ صحفيٍّ يحضره وزير الأسرى شخصيّاً، عيسى قراقع، في مبادرةٍ تُحسب لفارس الأغنية العربيّة، الذي من الضروري أن نشير إلى أنّه تحلى هنا بنظرةٍ ثاقبة غابت عن الكثير من زملائه الذين أهملوا هذا الملف المهم الذي يخلّد صاحبه، لأنّنا نتحدّث عن أغاني لا تموت مع مرور الزمن. والأمثلة هنا كثيرة لا تُعدّ ولا تحصى.

محمد عساف... الماء والملح

 وفي هذه الأيّام، حيث يعيش الأسرى البواسل معركة الحريّة والكرامة من أجل نيل حقوقهم، لم يتأخّر إبن البلد الفلسطيني محمد عساف في مواكبة هذا الموضوع الكبير، إذ نشر مقطع فيديو له وهو يتناول كوباً من الماء والملح وهو ما يعتمد عليه الأسرى من أجل البقاء على قيد الحياة. 

و دعا الفنان الشاب كل "انسان شريف وحر في اي مكان لتجريب هذا التحدي"، موجّهاً تحيّة إكبارٍ وإجلالٍ لأبناء شعبه. 

والسؤال المطروح هو: "أين الفنانين الآخرين من القيام بخطوةٍ مماثلة لإيصال رسائل مهمّة تدلّ على الوحدة والإجماع على الوقوف في صفّ وخندق الأسرى في صراعهم مع المحتل الغاصب؟" 

ملحم زين ويعقوب شاهين...أوّل المستجيبين

لم يتأخّر الفنان اللبناني ملحم زين في تلبية النداء حيث نشر مقطع فيديو يوثّق لقبوله التحدّي ووقوفه بجانب الأسرى في معركتهم الأسطوريّة ضد الطغاة. 

و قال ملحم "تضامناً مع الأسرى الفلسطينيّين في سجون الإحتلال، الأبطال الذين يواجهون أعتى إحتلال بالأمعاء الخاوية، "في إضرابكم لستم وحدكم نحن بجانبكم ولن نترككم أبداً، لأنّ إضرابكم بحاجة مساندة من كل الشعب العربي". 

من جانبه، إنخرط الفنان الشاب يعقوب شاهين بالحملة حيث سار على نفس النهج مؤكّداً "بكل فخر، قبلت التحدّي من الأخ شرف مروان البرغوثي للمشاركة في حملة #تحدي_مي_وملح للتضامن مع أسرى فلسطين البواسل في سجون الإحتلال حتى نيل مطالبهم العادلة والمشروعة".

أين إختفى الآخرون؟

من غير المنطق أن تقتصر على حملةٍ بهذا الهدف على هذه الأسماء المذكورة، وهنا تُطرح علامات إستفهامٍ عديدة وبالأخصّ ونحن نرى سطوة مواقع التواصل الإجتماعي وحظوة الفنانين فيها. 

فلماذا يبخلون على المشاركة في قضيّةٍ نبيلة تمسّ كل العرب ولا تقتصر على الشعب الفلسطيني؟ 

من الغريب أن يقتصر البحث على نماذج قليلة في قضيّةٍ بمثل هذا الحجم. 

فإلى متى سيظلّ الفنان العربي مقصّراً وغير مدرك لحجم المسؤوليّة الملقاة على عاتقه، لا سيّما أنّنا نتحدّث عن "لفتة بسيطة" لن تكلّف أحداً سوى دقائق قليلة لكن بمعانٍ عظيمة وكبيرة؟