في مخيّمات اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان قواسم كثيرة مشتركة، لكن أبرز تلك القواسم هي جدران المخيّم في أزقّته الضيّقة.

ففي مخيّم برج البراجنة ومار الياس وشاتيلا والبداوي وعين الحلوة وغيرها، ستجد الجدران هناك تهتف بصوتٍ عالٍ من خلال ريشة اللاجئ الملهوف على وطنه "فلسطين لن ننساك، ولن نرضى وطناً سواك". 

هي صيحات وبرقيّات عاجلة أراد اللاجئ الفلسطيني أن توصلها تلك الجدران التي تقاسمت معه ليالي الألم والأمل والتهجير والشتات.. لتصبح مع تعاقب سنين النكبة مرآته التي يرى العالم من خلالها، وصوت آهاته التي تستنجد العرب والمسلمين وكل اللّجان والهيئات الحقوقيّة في الدنيا، لعلّ وعسى أن تستمع لصوت الحق والضمير.. و تنتصر كما يأمل، لعذاباتٍ مقهورة تعيش في فؤاد اللجوء والتهجير المستمر. 

جدران المخيّمات في لبنان تؤكّد على الدوام من خلال النقوش التي رُسمت عليها بأنامل الصغار قبل الكبار، أنّ العودة حقّ مقدس، وأنّ فلسطين حرّة عربيّة مسلمة من البحر إلى النهر، وأنّه مهما طال النزوح والتشريد، فإنّ العودة آتية لا محالة، والحق سينتزعه أصحابه الشرعيّون. 

هذه الجدران إكتست بألوانٍ وأشكالٍ وتجسيدات تعكس أشواق وآمال اللاجئين وأفكارهم وتطلّعاتهم، منها على سبيل المثال: خريطة فلسطين، والعلم الفلسطيني بالأخضر والأحمر والأبيض والأسود، وأماكن ومدن تسكن الذاكرة الفلسطينيّة كالقدس، ويافا، وحيفا، وعكا، والناصرة وغيرها، بالإضافة إلى قباب مساجد وأسوار ومنارات وأيضاً البرتقال والمفاتيح والكوفية وحنظلة والفدائي الملثّم والسلاح.

شواهد في المخيّمات

هناك في مخيّم مار الياس والذي تقطنه أغلبيّةٌ فلسطينيّة مسيحيّة، رصد موقع "يلافيد" أطفال اللجوء الصغار يقفون على جدرانهم "التعيسة" يرسمون العودة والفرحة والألم والأمل بكل براءةٍ متناهية فطرت أفئدة الصغار عليها. 

فهذا ينقش على الجدار "سنعود يا فلسطين"، وهذا يكتب "فلسطين حرة عربية"، وهذه ترسم خريطة فلسطين الأزليّة، وذاك ينقش بمداد الحسرة وتضامناً مع الأسرى "الحرية لمروان البرغوثي مانديلا فلسطين". 

على جدران أزقّة مخيّمات اللاجئين في لبنان، يجد الزائر جواباً واضحاً عن تساؤلاتٍ مثل: "هل نسي الفلسطينيّون أرضهم؟"، "هل إنغمسوا في عيشهم وبحثهم عن لقمة عيشهم في مواطن الشتات في لبنان وسوريا والأردن والضفّة الغربيّة وقطاع غزة؟". 

لكنّ "المفتاح القديم. الدموع. الثوب المطرز" هذه وغيرها من رموز الملحمة الفلسطينيّة التي خطّها شهيد القلم ناجي العلي و رسّخها في أذهان العالم، نقشها اللاجئ الفلسطيني على جدار المخيّم مكذّباً مقولة "الكبار يموتون والصغار ينسون". 

كما و رصد موقع "يلافيد" في مخيّم البداوي شمال لبنان أيضاً صور قبّة الصخرة المشرفّة وشعارات "فلسطين لنا"، و"لتشهد يا شجر الزيتون إنا باقون إنا باقون". أمّا في مخيّم الرشيدية، فكانت كلمات المقاومة بارزة على أبواب المخيّم وحواريه القديمة، مؤكّدة أنّه لن تكون هناك عودة إلا بالتحرير والمقاومة، لا "بالمساومة والتفريط وبيع التراب مقابل مكتسبات شخصية رخيصة". 

وفي أحد الأزقّة الضيّقة لمخيم الرشيديّة، لفتت نظرنا عبارة كُتبت على أحد الجدران المتآكلة "حق العودة لا عودة عنه". 

هذه العبارة المكتوبة بطلاءٍ أحمر صارخ، تعكس رأي أبناء المخيّمات بخصوص تمسّكهم بهذا الحق. فرغم مرور السنوات وعدم معرفتهم لبلدهم الرازح تحت الإحتلال، لا يزال حلم العودة يشكّل هاجساً لديهم، في الوقت الذي يعيش من في سنّهم هواجس تتعلّق بحياتهم الماديّة.

عيون من المخيّمات

يقول أحد اللاجئين الذين يهوون النقش على الجدران: 

"أحلم بالعودة إلى فلسطين في كل حين، ولن أنسى قريتي كويكات، فأنا لن أتنازل عن حق العودة مهما حدث، ويا ريت نرجع للوطن"، ثمّ صمت لبرهةٍ و تابع بتنهّدٍ: "أتمنّى ذلك كل يوم"

وائل فتح الله من مخيّم برج البراجنة يقول لـ"يلافيد": 

"الرسم والكتابة على الجدران مهنة متجذّرة في المخيّم، من هذه الجدران ستتعرّف إلى مأساة اللاجئ وستنكشف لك من خلالها خيوط المؤامرة التي دُبّرت بليل لشعب بأكمله." 

و يتابع: "هذه الجدران ستفضح صمت الأنظمة العربية، وتعرّي أرباب الإستسلام لا السلام، الصغار والكبار في المخيّم يرسمون حقّهم على جدرانٍ متآكلة.. يرسمون تاريخهم.. يرسمون حاضرهم ومستقبلهم".