لا يغفل على أحد أنّ السرعة التي إستطاعت فيها دول الخليج العربي التحوّل إلى مجتمعاتٍ متطوّرة وحديثة كانت أسرع بكثير ممّا هو متوقّع.

وممّا لا شكّ فيه أنّ الثورة النفطيّة التي بدأت في نهاية القرن العشرين أحدثت طفرةً عمرانيّةً ومعيشيّةً، وضعت ناطحات السحاب في قلب المدن ورفعت من مستويات الحياة إلى مراتب عليا، إلّا أنّ لكلّ تغييرٍ سريعٍ مجموعة من الإيجابيّات والسلبيّات.

فدول مجلس التعاون الخليجي، التي كانت تعتمد أغلبها على الثروة السمكيّة وتجارة اللؤلؤ، شهدت خلال العقد الماضي طفرةً عمرانية، خصوصاً خلال عامي 2004 و2008، مع التركيز على المردود المالي من بيع المواد النفطيّة ومشتقّاتها وإقامة مشاريع تطويريّة تواكب الحداثة والتكنولوجيا الجديدة و تستقطب عبرها العديد من المبادرات الفرديّة والشركات العالميّة.

قبائل منفصلة تتّحد لتشكيل دول

وبلدان مجلس التعاون الخليجي كانت عبارةً عن تحالفات قبليّة موزّعة على شكل مشيخات وإمارات وسلطنات مرتبطة أو منفصلة نتيجة التنافس الدولي على المنطقة. 

ولذلك، فإنّ التطوّر السياسي والإقتصادي بدأ، بحسب ما تشير إليه الآثار المعروضة في المتاحف، منذ أوائل القرن التاسع عشر، من مناطق تحوي على عددٍ من القرى الصغيرة تسكنها القبائل والصيّادون، و تحوّلت لاحقاً إلى مدنٍ مزدهرة وعالميّة ومراكز دوليّة. 

و إستطاعت كل من المملكة العربيّة السعوديّة والكويت والإمارات العربيّة المتحدة وقطر وسلطنة عمان والبحرين، تشكيل مجلس التعاون لدول الخليج لرعاية مصالحها المشتركة. 

و يمكن ترتيب ظهور النفط فيها على النحو التالي: البحرين 1932، السعودية 1938، الكويت 1946، قطر 1949، أبو ظبي 1962، سلطنة عمان 1967، إمارة دبي 1969. وبعد الإنسحاب البريطاني من الخليج، تمّ إعلان إستقلال سلطنة عمان وقطر والبحرين وإتّحاد مشايخ الساحل العماني السبعة تحت مسمّى دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971. 

أمّا الكويت، فقد أُعلن عن إستقلالها عام 1961.

التطوّر المعيشي

 ينعكس على التغيّر المجتمعي فعلى سبيل المثال، إنكبّ مؤسّس الإمارات العربيّة المتحدة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في بدايات الإعلان عن توحيد الدولة، على تحسين معيشة المواطنين من خلال توفير أساسيّات الحياة الكريمة لهم، وفي مقدمتها المسكن الملائم. فتمّ إنشاء أحياء سكنيّة تتضمّن بيوتاً شعبيّة للسكّان مساحتها 24 متراً مربّعاً، حلّت مكان الأحياء التي كانت مقسّمة وفقاً للقبائل المقيمة في المدينة. ومع الوقت، تحوّلت هذه البيوت الشعبيّة إلى فيلات أكثر فخامة وإتّساعاً ومبانٍ شاهقة على أطراف تلك الأحياء. وبعد إكتشاف النفط، بدأ الإقتصاد الذي كان معتمِداً بنسبة تقارب 90% على الصيد وبيع اللؤلؤ، يجنح نحو المواد الأوليّة، فعملت الدول الخليجيّة على إستثمار واردات النفط في تطوير البنية التحتيّة، وتشييد المدارس والمستشفيات وشقّ الطرق، وإرساء دعائم شبكة إتصالات ومواصلات حديثة. 

وعلى الرغم من الرؤى الإستراتيجيّة التي وضعتها أغلب حكومات دول الخليج والتي تؤكّد على ضرورة تنوّع مداخيلها، إلّا أنّه لا يمكن النظر إلى النفط سوى على أنّه مادة إستُخدمت لإزالة الغبار عن المنطقة ورفع إسمها عالياً في المحافل الدوليّة.

فأتى الذهب الأسود وجلب معه الحضارة العالميّة إلى هذه المنطقة من الأرض التي كانت شبه منسيّة وكأنّها في عالمٍ آخر.والتطوّرات التي سبّبها إكتشاف النفط في منطقة الخليج، إنعكست على زيادة الناتج المحلّي الإجمالي، فقد إرتفع من 865 مليار دولار أميركي العام 1974 إلى 3231 مليار دولار العام 1998، أي أنّه إزداد بنسبة 252 في المئة خلال هذه السنوات، وذلك على الرغم من حال الركود الإقتصادي الذي ساد المنطقة لفتراتٍ متعدّدة منذ مطلع الثمانينات وتعرّض سوق النفط العالمي إلى تقلّباتٍ حادّة أدّت إلى خفض أسعاره لعدّة سنوات.

سكرة النفط تزعزع الأسس الثقافيّة

كان الغوص بحثاً عن اللؤلؤ حتى منتصف القرن العشرين أحد أكبر الأنشطة الإقتصاديّة الرئيسيّة لأبناء الخليج العربي، إلّا أنّ إكتشافه شكّل ضربةً قاصمة لعصر الغوص وتراثه.فقد توفّرت فرص عملٍ هائلة ذات أجور دائمة ومتزايدة وظروف عمل مريحة، إنعدمت معها المخاطر التي يجلبها الغوص بحثاً عن اللؤلؤ. وهذه كلّها من الأمور التي أدّت إلى إنصراف الكثير من البحّارة ولا سيما الغوّاصين، الذين كانت تعتمد عليهم حرفة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ بعد الإنخراط في أعمال صناعة النفط، ممّا أدّى إلى إنخفاضٍ تدريجيٍّ في عدد السفن التي تبحر سنويّاً، حتى إنتهت مهنة الغوص.

أمّا الصناعات المحليّة، فقد أُصيبت بتدهورٍ واضحٍ نتيجة هجرة معظم أصحابها لها وإنتقالهم للعمل في صناعة النفط المريحة والمربحة في آنٍ واحد.

و أدّى ذلك إلى إختفاء معظم الصناعات المحليّة الرائجة في المدن القديمة كمدن واحة الإحساء والقطيف في السعودية، إذ كانت المنطقة قبل إكتشاف النفط مكتفيةً بصناعاتها المحليّة و يقصدها الكثيرون لشراء إحتياجاتهم.

ولكن لاحقاً، أقفلت المحلات تدريجيّاً نتيجة إلتحاق كثيرٍ من الصنّاع بوظائف صناعة النفط، ممّا سبّب تدهوراً سريعاً للصناعات التقليديّة المحليّة.

وهكذا أصبح السكان يعمدون إلى شراء إحتياجاتهم من الواردات الأجنبيّة التي بدأت تغمر الأسواق المحليّة و تتنافس على إغراء المستهلك بأسعارها الزهيدة.و كانت تتميز الواحات بأنّها قابلة للزراعة، فعلى سبيل المثال، كانت واحة الحساء في السعودية تضمّ أكثر من 49 قرية زراعيّة وواحة القطيف أكثر من 13 قرية زراعية، إلّا أنّ الزراعة تراجعت بسبب إنتقال العمالة الزراعيّة للعمل في مرافق النفط والأعمال المساندة له أو في الوظائف الحكوميّة.

كما أنّ ظهور فرص عمل جديدة لم تكن معروفة لدى سكّان المنطقة الخليجيّة، جعلها أشبه بالدجاجة التي تبيض ذهباً، بشكلٍ خاص بالمنافع التي كانت تقدّمها، حيث بات العمل المضني يرتكز على العمالة الأجنبيّة من عربٍ وأجانب وأُنشئ معه نظام كفالة الوافدين.

وعلى صعيد المجتمعات، فإنّ القبائل شكّلت النسبة الأكبر من السكّان، و يعتمد مدخولها على الزراعة البسيطة في الواحات وأماكن تواجد المياه، أو على رعي الماشية أو القبائل التي تعمل في الغوص على اللؤلؤ وصيد الأسماك كما الصناعات الحرفيّة وصناعة السفن والبناء.

إلّا أنّ ظهور النفط تسبّب في تغيير ذهنيّة الشباب، حيث بات الإتّجاه إلى الوظائف التي تتطلّب جهداً ومخاطر أقلّ.ونتيجة الدخل الكبير من عائدات النفط، بدأت المجتمعات الخليجيّة تشهد عمليّات تحضّرٍ وتوسّعٍ سكّاني لم يسبق لها مثيل من الحجم أو السرعة.

و يمكن الإشارة إلى التغييرات التي تعرّضت إليها البحرين عندما بدأ النزوح إلى المناطق الحضاريّة والإبتعاد عن حياة القبائل، وسرعان ما تكرّر الأمر مع الدول الأخرى مع إكتشاف إمتلاكها للنفط، بحيث باتت المناطق الريفيّة أو البادية شبه منقرضة، مع تحوّل جميعها إلى مدن وأماكن ذات مستوى معيشي محترم وعال.