"مركز إنسان" في مخيم "برج البراجنة" الفلسطيني في العاصمة اللبنانية بيروت، فسحة أمل لعلاج إلادمان على المخدرات، حيث أن المركز لا ينحصر فقط على معالجة المدمنين من أهل المخيم، بل يقصده حتى اللبنانيين من جميع المناطق المسيحية والاسلامية، وذلك لفعالية الطبابة فيه ولأن تكلفته أقل بكثير من أي مستشفى أو مركز آخر.

وللوقوف أكثر على ما يقدمه المركز زار موقع "يلا فيد " المشرفين عليه وعاد بالمعلومات التالية: 

عملية تأهيل المدمن

أوضح المشرف على "مركز إنسان"، نضال يعقوب، أن تأسيس المركز العام 2013 ، سببه تزايد ظاهرة المخدرات داخل المخيم.

وكانت "اللجنة الأمنية" تتعامل مع الموضوع بطريقة خاطئة، بحيث تسجن المدمن أو المروّج لفترة أسبوع أو أسبوعين وبالأكثر ثلاثة أشهر، وتقوم بعدها بإخلاء سبيله، وبذلك لا يتم فعل أي شسء لإنقاذ المدمن وتحسين وضعه. 

ويقول يعقوب: "هنا تبلورت لدينا فكرة اتباع أسلوب مختلف، فهذا الإنسان مريض ويجب التعامل معه على هذا الأساس وليس على أنه مجرماً. لذلك قمنا ببناء غرفة على السطح، وبدأنا نعمل بها على علاج ثلاثة مدمنين. وبعدها تطورت الفكرة حتى استطعنا الحصول على قطعة أرض منحنا إياها أحد ابناء المخيم، أنشأنا عليها غرفتين ومطبخاً وحماماً وحديقة صغيرة للمرضى".

وأضاف: "بعدها استمرينا بالتوسيع حتى اكتمل المشروع وأصبحنا نستقبل 12 مريضاً، وتقوم جمعية "أطباء بلا حدود" بمساعدتنا في الإشراف على المرضى من خلال الدعم الطبي والفني واللوجستي. وأنشئت لهذا الغرض عيادة طبية في داخل المركز للمتابعة".

المشاكل أغلبها أسرية

وأضاف يعقوب لـ"يلا فيد": "الفكرة الثانية من المشروع، هي البحث عن طريقة مناسبة  للتعامل مع الأهل، والتواصل معهم لأن أغلب المدمنين على المخدرات تكون مشاكلهم أسرية. وتبين بعد دراسات، إن المشكلة تبدء في المنزل بالأساس. 

وشرح مشرف المركز أن: "المريض يمر بعدة مراحل في العلاج: مرحلة ما قبل التأمل، وهي مرحلة لا يكون المريض يفكر فيها بالعلاج، ومرحلة التأمل عندما تتوفر أرضية التفكير بالعلاج والتخلص من الإدمان، وأثناء العلاج يصل المريض لمرحلة النكث بعد الحزم والعزم، وذلك بسبب صعوبة التخلص من تأثير مادة الهيرويين، لأنها متغلغلة في جسده، ونسبة نجاح هذه الحالات لا تزيد  عن 10% وأقل من ذلك، فمن بين10 حالات  تنفذ حالتين أو واحدة".

وأضاف: "أحياناً لا ننجز شيئاً.  وينكث مرة وإنثتين وثلاث،  وهذا ليس فشلاً فالنكث جزء من دورة العلاج، وأنا أقوم بمتابعتهم بهذا الخصوص من خلال التقرب منهم حتى أكون معهم في حالة النكث".

ويستذكر يعقوب: "حصلت حالة مع مريضِ متعافِ خرج من المركز إلى بيته. لكنه ما لبث أن اتصل بي يريد العودة إلى المركز لأنه وجد تاجر المخدرات أو المروج أمام بيته، وبالفعل قمت بإعادته إلى المركز خشية تعرضه لإنتكاث جديد والعودة إلى التعاطي".

معالجة مجانية حتى الشفاء التام

بدوره ، قال القائم على مركز إنسان، نمر النمر بأن "المركز يعنى بمعالجة الشباب على مختلف أعمارهم من مرضى تعاطي وإدمان مخدرات، وذلك مجاناً نظراً للتردد الذي يصيب أي مدمن حينما يتجرأ بكامل إرادته للذهاب إلى العلاج الخاص، فيكتشف التكاليف الباهظة التي يتم طلبها من المراكز التي تهتم بهذا الشأن، لذلك إخترنا هذا المكان والزمان بمخيم برج البراجنة، حتى يكون العلاج ضمن المواصفات المطلوبة لمراكز الإدمان التامة". 

 وأكد النمر أن "إنسان" هو المركز الفلسطيني الوحيد لعلاج الإدمان في لبنان، وهو يستقبل المدمنين من جميع الجنسيات وليس مقتصراً على علاج المدمن الفلسطيني، وقد قمنا باستقبال أستاذ جامعي لبناني منذ فترة والحمد لله قطع فترة العلاج، وهو الآن يمارس حياته بشكل طبيعي".

ولفت النمر أن" نسبة نجاح علاج حالات الإدمان هي 51% ، ويعود سببها للإرادة الكبيرة لدى الشخص المدمن وقدومه من تلقاء  نفسه للمركز لتلقي العلاج".

المتعافون من الإدمان يروون قصتهم

وقال المتعافي من الإدمان "م. ع"  وهو حاصل على شهادة في المحاسبة،(22عاماً) من مخيم شاتيلا لـ"يلا فيد"،  أنه  لجأ إلى "مركز إنسان"  منذ أربعة أشهر حتى يتخلص من مشكلة التعاطي لمادة الهيرويين". 

وروى "م. ع" قصة بداية تعاطيه عندما التقى بأصحابه الذين قدموا من السويد إلى مخيم شاتيلا، حيث طلب منه أحدهم  أن يجربها، وبدأ يتعاطاها كل ليلة حتى أصبح مدمناً عليها، ويريد فعل أي شيء للحصول عليها وعندما شعر بالذل لرفض صاحبه بإعطائه جرعة، وأنه يريد مالاً مقابل الجرعة،  قرر "م. ع" جدياً التوقف عن التعاطي وطلب من أهله حبسه في المنزل ومعالجته، وعندما عجز عن فعل ذلك، قرر المجيء إلى المركز لتلقي العلاج".

ويقول "م. ع" أن حياته تدمرت عندما بدأت مادة الهيرويين تضرب مكان الأعصاب في رأسه، فلم يهتم بعمله، وكان كل همه الحصول على هذه المادة القاتلة، وهو ينصح الشباب بعدم الاقتراب منها، ومن أدمن عليها فليتركها ويأتي للمركز لتلقي العلاج، لأن اسمها شبهة في حد ذاتها". 

وأشار ح. ر (17 عاماً) من مخيم برج البراجنة وهو يعمل في مهنة الحلاقة، إلى أنه بدأ تعاطي مادة  الفريبيز (كوكايين وباز) منذ سنتين، عندما التقى بصاحبه ووجده يفصل الكوكايين، وطلب منه تجربتها.

بدأ يتعاطاها كل يوم، ووقتها انحصر تفكيره بفعل أي شيء للحصول عليها، وأصبح يتعامل بطريقة هجومية مع أفراد أسرته وأصحابه والبيئة المحيطة به.

يتمنى "ح. ر" بأن ينتهي من هذا الوهم الذي أحاط به وخرب حياته منذ سنتين، وهو يريد الإنتهاء من فترة العلاج  والعودة إلى المدرسة وإكمال مرحلة الثانوية التي تركها، بسبب سموم هذه المادة، والتي وصفها بالـ"قذرة"، ناصحاً الشباب بالإبتعاد عنها  ومن جربها عليه تركها واللجوء إلى المركز لتلقي العلاج". 


التنمية الفكرية والعملية للمستفيدين

تظهر تجارب الشباب الذين وقعوا في شرك التعاطي بالمخدرات، حجم الكوارث النفسية والجسدية والاجتماعية التي لحقت بهم وبعائلاتهم، وتأثير ذلك على حياتهم وعملهم ومستقبلهم. 

والنصائح التي وجهها هؤلاء لبقية الشباب والأهل، لمحاربة هذه الآفة، دليل على حرصهم على مجتمعهم والاستفادة من الأخطاء التي ارتكبوها، والصمود في وجه الاغراءات. 

وبالرغم من اختصاصه في علاج الإدمان إلا أن المركز يعمل على التنمية الفكرية والعملية للمستفيدين، فهناك دورات للغة الانكليزية، و موسيقى و رياضة، وفن النحت على الخشب، وصناعة الأثاث الخشبي وغيرها الكثير، منها ما يباع ومنها ما يُعرض داخل المركز.