تلقت حرية التعبير صفعة كبيرة في لبنان بعد إلغاء حفلة لفرقة "مشروع ليلى" في "مهرجانات جبيل الدولية" منعاً "لإراقة الدماء"، بحسب ما ورد في بيان للجنة المهرجان. اضطرار المهرجان لإلغاء الحفلة التي كانت مقرّرة في 9 آب/ أغسطس الحالي، بعد حملة هجوم شرسة طالت الفرقة، دليل على أنّ الدولة غير قادرة على ضبط الأمن وحماية الفرقة من المتشددين.

المعركة كانت طويلة قبل القرار، وبدأت باستعادة منشور قديم على فايسبوك لحامد سنو، مغني الفرقة الرئيسي، فيه صورة لمريم العذراء استُبدل وجهها بوجه المغنية مادونا. تبع ذلك منشورات تهدّد بوقف الحفلة بالقوّة، وتحمّل الفرقة مسؤولية "دمها" إن غنّت في جبيل، وفيديوهات تشرح البعد "الشيطاني" في أغنيتي "الجنّ" و"أصنام" من ألبوم"ابن الليل" (2014). وتعاظم الأمر حتى اتهم أعضاء "مشروع ليلى" بعبادة الشيطان، واستدعوا للتحقيق لدى الأمن في لبنان، وأجبروا على إزالة الأغنيتين عن قناتهم على يوتيوب، بعدما طالبت السلطات الكنسية في البلاد باعتذار لإهانة المقدسات، وطالبت بمنع الحفلة. ورغم أنّ القضاء أسقط كلّ التهم بتحقير الأديان عن الفرقة، استمرّ الهجوم من مغردين وفنانين وإعلاميين واصلوا تداول معلومات خاطئة عن المجموعة، بالرغم من أنها أصدرت بيانًا توضح ما انتشر من معلومات مغلوطة، وتنفي كلّ ما اتهمت به.

 استلم المطاوعون الجدد الدفّة على تويتر، فكانوا أقوى من الدولة، والقضاء. محاكمات في الشارع وعلى مواقع التواصل ومناشير تهدّد بأنّ "أبواب الجحيم لن تقوى علينا". 

اعتبر إلغاء الحفلة انتصارًا للمتشددين، ولكن انتصار من وعلى من؟ انتصار صورة لبنان الظلامية على صورة البلد الذي لطالما ادعى أنّه بلد حرية الإبداع؟ انتصار على الموازنة التي تقضم من جيوب الفقراء؟ انتصار على احكام الحضانة الجائرة؟ انتصار على جرائم قتل النساء؟ أم على تقنين الكهرباء؟ أم على غلاء المعيشة؟ أم على تخفيض ميزانية الجامعة اللبنانية، وهي الجامعة الرسمية الوحيدة في لبنان؟ إن ما حدث وهو انتصار للقرون الوسطى على صورة لبنان الحضارة والحريّة والتعايش التي نروّج لها، لم يعد يصدقها أحد. 

استخدم المحرّضون على "مشروع ليلى" لغة الصرامي، والدعوات للقتل، والعنف، على لغة الحبّ التي يتوقّع أن تكون لغة المؤمنين. 

المحلّل السياسي جوزيف أبو فاضل، سياسي كجوزيف أبو فاضل كان عليه أن يضع نعل صرمايته في الواجهة عندما شكك البعض بإيمانه. 

الممثلة اللبنانية سهى قيقانو، انضمت إلى راجمي المثليين، ودعت الممثلة القديرة إلى إنزال مشروع ليلى عن المسرح بالقوّة. 

ثم تدخّل زين العمر الذي تخيفه أصوات الألعاب النارية ليقول عن الفرقة أنها فرقة صرامي، وجعل الفنان الجغل فارس كرم ختام الحملة مسكاً، إذ دعا إلى "دعس الفرقة بالصرامي". 

وانضمّ المخرج شربل خليل إلى الحملة، داعياً إلى إطلاق "مشروع شربل"، تيمناً بالقديس شربل، لـ"معالجة" المثليين بطريقة دينية.

كل هذا من أشخاص يدعون الفن والثقافة، ناسين أن "مشروع ليلى" تقدّم أعمالاً فنية تعزف على مسارح العالم، وأنّها شاركت أصلًا في مهرجانات فنية لبنانية سابقاً، وأدت أغانيها ذاتها على المسرح. تغنّي الفرقة عن حقوق الانسان والأقليات وتتطرّق لمواضيع جريئة لا يذكرها فنانون آخرون. يحق لهذه الفرقة الموسيقية الشجاعة أن يكون لها مساحة فنية تعبّر من خلالها، كباقي الفنانين الذين يقدمون أعمالًا شعبية. وتاريخ الأغنية العربية لا يخلو من"المهرطقين!"

في المقابل، كان للفنانتين كارول سماحة وهيفا وهبي رأي مختلف، إذ رفضتا أسلوب التهديد، ودعتا لاحترام الاختلاف. 

إن كانت كلمات أغاني الفرقة أو ميولها لا تعجبكم، يمكنكم ألا تسمعوها. وحتى إن لم يعجبك أسلوب غناء حامد سنو، أو كلماته، أو موسيقاه، فذلك لا ينفي أنّ الفرقة أحدثت ثورة في الموسيقى العربية خلال العشر سنوات الماضية. 

 لكننا قتلنا ليلى اليوم لأننا لم نستطع أن نحميها من الذئب. ليلى لم تكن الأولى، ففي تاريخ القمع أدباء وفنانون كبار، يتفاخر بهم اللبنانيون، وفي مقدمتهم جبران خليل جبران الذي رفضت الكنيسة إحياء مراسم دفنه لاتهامه بأنّه ماسوني. 

ولم يكن على الأبرشية والكهان أن يتدخلوا في موسيقى مشروع ليلى لأن الفن حر ولأن المسيح لم يشجع يوماً على العنف بل قال ""أحبّوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم".

نحن بلد نتنفس روائح الموت يومياً بسبب أزمة نفايات متسمرّة منذ أربع سنوات. نحن بلد يعاني من نسب سرطان مرتفعة. نحن بلد يموت فيه المواطن على أبواب المستشفيات. نحن بلد لا تستطيع فيه المرأة منح الجنسية لأولادها. كلّ هذا، ولم يضق صدرنا إلا بكلمات أغاني "مشروع ليلى"؟ 

إن ما حدث مع مشروع ليلى سيسمح لأي مؤسسة دينية أن تمنع حفلة لأقل الأسباب وآخرها كان حفلة منعت في النبطية بسبب طبلة.

 في مؤتمر صحافي عقد اليوم تضامناً مع الفرقة في بيروت، بعنوان "أول حقوق الإنسان، مكافحة اللاتسامح والكراهية، ماذا بعد الغاء حفل مشروع ليلى؟"، في مركز المفكرة القانونية. وتحدّث الفنان مارسيل خليفة في المؤتمر، فقال: "نحن بلد لا يعني شيئاً خارج بضع قيم أخلاقية وروحية. قيم الانفتاح والرّحابة والحريّة والتّرحيب بتعايش الأضداد والمتناقضات. صرنا أسوأ من السجن. الاعتداء على تراثنا العميق في الحريّة هو خيانة عظمى".

ودفاعاً عن الحريات، وفي مواجهة المنع والقمع،ستقام حفلة موسيقية لفنانين وفنانات يغنون "مشروع ليلى" في ذات موعد الحفلة الملغاة.