يحتار المتتبّع لأعمال الشهر الفضيل في "الحفاوة" الكبيرة التي يحظى بها مسلسل "غرابيب سود"، حتى قبل إنطلاق عرضه، مع تصديره تحت عنوانٍ عريض هو "أضخم إنتاج عربي لسنة 2017"، ومع طرحه لمحتوى حسّاس يتعلق بتنظيم "داعش".

فالآمال المعقودة عليه عريضة لتقديم عمل متكامل يلامس، كحدٍّ أقصى، هذا الملفّ الخطير.

لكنّنا هنا سنعود بالقارئ الكريم إلى الوراء قليلاً لنعقد بعض المقارنات "المنسيّة"، أو المتجاهَلة مع أعمالٍ كانت تحمل بعداً سياسيّاً أهم وأخطر، وقوبلت بالإجحاف والمصادرة، حتى أنّها شكّلت "سابقة عربيّة".

الرضا السياسي الرسمي

نعم، منح القبول والرضا العام لمسلسلٍ يطرح فظاعات تنظيم "داعش"، زخماً أكبر له، جعله "يتوّج" بكل هذه الهالة الحاليّة، سواء على الـ"سوشال ميديا" أو حتى الإعلام التقليدي. 

وتكفي جولة سريعة على الخريطة البرامجيّة للقنوات العربيّة، حتى تتأكّد من الإقبال الواسع على عرض "غرابيب سود". 

ومن خلال التجارب السابقة، يمكننا الجزم بأنّ "ثقة" المحطّات تنبثق بالأساس من حالة التوافق الرسميّة غير المنزعجة، إنطلاقاً من فحوى المسلسل وما يطرحه. فتبدو الحلقات الأولى من العمل، وبشهادة كبار النقّاد والمتخصّصين في مجال الدراما "مخيّبة للآمال"، ولا تعكس إطلاقاً، الميزانيّة الضخمة والصخب الكبير المرافق له.

"سيلفي" مهّد الطريق

هذا عامل لا يمكن تجاهله إطلاقاً، حيث شكّلت بعض حلقات مسلسل "سيلفي"، للكوميدي السعودي ناصر القصبي، "بالون إختبار"، قبل الإقدام كليّاً على إنتاج عملٍ خاص، يهتمّ بالظاهرة ويطرحها. ولذلك فُتح الباب على مصراعيه أمام "غرابيب سود"، لينال كل هذا الإطراء، حتى قبل إنطلاق السباق الرمضاني.

إختبار "الطريق إلى كابول"

هذا ما قصدناه في المقدّمة، ونستحضر تحديداً هذا النموذج الذي لا يزال الكثير من المتتبّعين العرب يتساءلون بإستغرابٍ شديد: ماذا حلّ به، ولماذا قوبل بكل هذا الحصار؟! 

مسلسل "الطريق إلى كابول"، من تأليف الراحل جمال أبو حمدان، وإخراج المبدع محمد عزيزية، وبطولة نخبة من ألمع الفنانين العرب، مثل عابد فهد، وفرح بسيسو، ومنى واصف، وكانت قد عرضت منه قناة "إم بي سي" 10 حلقاتٍ قبل أن توقف بثّه بإيعازٍ من تلفزيون قطر، الشريك الرئيسي في إنتاج العمل. 

آنذاك طُرحت عدّة أسئلة من قبيل: كيف تصرف ميزانية ضخمة على مسلسل، ويتمّ إيقاف عرضه فجأة؟! 

كثرت التفسيرات وقتها، لعلّ أهمّها هو الضغوط الأميركيّة التي حتّمت على الفضائيّات العربيّة الإنسحاب، وشطب إسم المسلسل من الخريطة، على الرغم من أنّه حقّق نسبة متابعة قياسيّة، ويمكن تصنيفه بأنّه "وثيقة فنية" تُحاكي حقبةً مهمّة. 

فلماذا إذاً تُقبل القنوات العربيّة على شراء وعرض "غرابيب سود"، وتلجم وتحاصر عملاً أكثر حرافيّة ويُحاكي تجربة متقاربة؟!